حسن ابراهيم حسن

213

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

أبى إلا أن ينفذ رغبة الرسول ؛ فسير أسامة إلى مشارف الشام ، لأنه رأى في ذلك مناورة حربية وسياسية تشعر أعداءهم في الداخل والخارج بقوة الحكومة العربية وثبات مركزها ، وقال العرب : لو لم يكن بهم قوة لما أرسلوا هذا الجيش ، فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوا . ولكن بعض الصحابة ، ومن بينهم عمر بن الخطاب ، اعترضوا على تولية أسامة على رأس هذا البعث ، لصغر سنه ، واضطراب الأحوال في شبه الجزيرة العربية بعد وفاة الرسول . ولكن أبا بكر قال في حزم : « لا أرد قضاء قضى به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولو ظننت أن السباع تختطفنى لأنفذت جيش أسامة كما أمر النبي » . ثم وثب ، وكان جالسا ، فأخذ بلحية عمر وقال : ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب ، استعمله رسول اللّه وتأمرني أن أعزله ؟ » . لذلك لا نعجب إذا رأينا المسلمين وبينهم عمر بن الخطاب يسارعون إلى الانضواء تحت لواء أسامة ، مجاهدين في سبيل اللّه ونصرة دينه . ولما تحرك الجيش ، خرج أبو بكر ماشيا لتوديعه ؛ وأسامة راكب ، فقال أسامة : يا خليفة رسول اللّه ! لتركبن أو لأنزلن . فقال : واللّه لا نزلت ولا أركب ، وما علىّ أن أغبر قدمي ساعة في سبيل اللّه ، فإن الغازي له بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له ، وسبعمائة درجة ترفع له ، وسبعمائة سيئة تمحى عنه . وبلغ من إكبار أبى بكر لأسامة أن قال له : إن رأيت أن تعيننى بعمر فافعل ، ثم وصاه أبو بكر فقال : « لا تخونوا ولا تغدروا ، ولا تفعلوا ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا . وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع ، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له . وسوف تقدمون على قوم بآنية فيها ألوان الطعام ، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شئ فاذكروا اسم اللّه عليه . وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رموسهم وتركوا حولها مثل العصائب ، فاخفقوهم بالسيف خفقا . اندفعوا باسم اللّه « 1 » » .

--> ( 1 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ ج 2 ص 139 .